الطبراني

52

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )

وإذن فالمراد من التفسير بالرأي هو فهم الجمل بواسطة فهم مدلولاتها التي تدلّ عليها المعلومات الموجودة عند المفسّر من لغة وحادثة . وأما ما اشتهر على الألسنة عن سيدنا عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه من قوله : [ القرآن حمّال أوجه ] « 1 » فليس المراد منه أن القرآن يحمل أيّ وجه تريد تفسيره منه ، بل المراد أنّ اللفظة الواحدة أو الجملة الواحدة تحتمل عدّة أوجه من التفسير ، ولكن الأوجه محصورة بالمعاني التي تحتملها اللفظة أو الجملة فقط ولا يخرج عن ذلك . ومن هنا كان التفسير بالرأي عبارة عن فهم للجملة في حدود ما تحتمله ألفاظها من معاني . ولذلك أطلقوا عليه أنه تفسير بالاجتهاد . وقد كان جمهرة المفسّرين من الصحابة يفسرون بالرّأي ويعتمدون بالدرجة الأولى عليه في التفسير ، وكانوا يختلفون في التفسير حتى في تفسير الكلمة الواحدة ، مما يدلّ على اعتمادهم على فهمهم الخاصّ مثل كثير مما ورد عن ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وغيرهم . فمثلا يفسّر المفسرون الطّور في قوله تعالى : وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ * بتفسيرات مختلفة . فمجاهد يفسّر الطّور بالجبل ، وابن عباس يفسر الطور بجبل بعينه ، وآخر يقول إن الطور ما انبثّ من الجبال . فأما ما لم ينبث فليس بطور . فهذا الاختلاف في التفسير نتيجة للاختلاف في الرأي ، لا نتيجة للاختلاف في المنقول ، مع أن اللفظة لغوية ، فما بالك حين يكون الرأي لمدلول الجملة لا لمعنى لفظة ، ولذلك اختلفوا أيضا في معاني الآيات خلافهم في معاني الألفاظ . والظاهر من تتبّع تفسير الصحابة لا سيما المفسّرين المشهورين ، أنّهم في جملتهم يعتمدون على الرأي في التفسير . وأما ما نقل عن بعضهم من التحرّج عن التفسير بالرأي والاقتصار على التفسير بالمنقول ، فإنه يحمل على رأي من لم يستكمل أدوات التفسير وهي العلم باللفظة العربية المراد تفسيرها ، وبالحوادث

--> ( 1 ) عن ابن عبّاس : ( القرآن ذو وجوه ، فاحملوه على أحسن وجوهه ) . الفردوس بمأثور الخطاب للديلمي : الرقم ( 4672 ) .